الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

40

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

ونحو هذه الأحاديث كثيرة جدّا فحينئذ نقول : المستفاد من هذه الأحاديث أمور : الأول : أن الوجه في إطلاق بقية اللَّه عليهم إمّا ما تقدم من أنهم عليهم السّلام تخلَّقوا بأخلاق اللَّه بمنتهاها حتى كأنهم بقية اللَّه تعالى ، وإما باعتبار أنهم عليهم السّلام من أبقاهم اللَّه تعالى بفضله وكرمه لهداية الخلق فهم بقيته تعالى بإبقائه ، وإمّا أنهم رحمة اللَّه التي منّ بها على عباده ، لما علمت من أن البقية قد يأتي بمعنى الرحمة ، وإمّا لأنّه تعالى بهم أبقى على العباد رحمته أو بهم إبقاؤهم كما هو مفاده قوله عليه السّلام : " لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها " فهم سبب البقاء أو سبب بقاء الرحمة ، فالحمل حينئذ للمبالغة كما لا يخفى . وإمّا لأنهم عليهم السّلام عندهم أعباء الرسالة وحمولة الرب كما تقدم ، وعندهم الحكمة والعلم ، وما به الفخر والمدح ، فبقايا العلم عندهم أي ورثوها من الأنبياء عليهم السّلام فبهذا اللحاظ أطلق عليهم بقية اللَّه ، وإليه يشير قوله تعالى : ( أولوا بقية ) 11 : 116 أي أصحاب البقية ، وبعبارة أخرى : هم الواجدون لبقايا العلم وما به المدح ، ولذا فسّرت ( أولوا بقية ) 11 : 116 ب ( أولو ) تمييز وطاعة أي فضل مما يمدح به ، إما كونهم عليهم السّلام أولي تمييز فلا التمييز هو أثر العلم فهم أهل الذكر والقرآن الجامع لجميع العلوم كما تقدم ، ولذا عندهم يكون فصل الخطاب عند تشابه الحق مع غيره في العلوم والموضوعات كما لا يخفى . وإمّا كونهم عليهم السّلام أولي طاعة فإما بمعنى أنهم أهل طاعة اللَّه ، فهذا أظهر من الشمس ، بل ليس في الوجود أطوع منهم للَّه تعالى ، كما دلت عليه الآيات والأحاديث ، وإما بمعنى المطاعية فهذا أيضا ثابت بالآيات والأحاديث لقوله تعالى : ( أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) 4 : 59 المفسّر بهم عليهم السّلام كما تقدم آنفا ، وعلمت سابقا أن الملك العظيم هو الطاعة لهم في قوله تعالى : ( وآتيناهم ملكا عظيما ) 4 : 54 بحيث يطيعهم الكلّ حتى الجمادات فضلا عن الملائكة أو البشر . وإما لكونهم من ذرية الأنبياء ومن بقيتهم من حيث الأولاد ، فهم بقية الأنبياء